ابحث عن التشريع
حكم المحكمة الدستورية في القضية رقم ط. ح / 1 / 2020
التاريخ:
10/09/2020
رقم الجريدة الرسمية:
3488

باسم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة

ملك مملكة البحرين

المحكمة الدستورية

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2020م، الموافق 21 محرم 1442هـ،

برئاسة معالي الشيخ خليفة بن راشد بن عبدالله آل خليفة، رئيس المحكمة.

وعضوية السادة القضاة: المستشار أحمد إبراهيم راشد الملا، نائب رئيس المحكمة،

علي عبدالله الدويشان، سعيد حسن الحايكي، عيسى بن مبارك الكعبي، الدكتورة منى جاسم الكواري، وأحمد حمد عبدالله الدوسري، أعضاء المحكمة.

وحضور السيد / عمر عبدالعزيز حساني، أمين السر.

أصدرت الحكم الآتي:

في الطلب المقيّد بجدول المحكمة الدستورية برقم (ط.ح/1/2020) لسنة (18) قضائية.

المقدَّم من:

صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء.

ويمثله جهاز قضايا الدولة.

الإجراءات

بتاريخ السادس عشر من يونيو سنة 2020م، أودع رئيس مجلس الوزراء الطلب المعروض الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، مؤجلًا رسمه بموجب قرار وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف المؤرخ في 16/6/2020م، طالبًا الحكم بعدم دستورية المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب، فيما تضمنته من جواز مدِّ مدة تقديم نتيجة التحقيق البرلماني وامتداد أعماله لمدة تجاوز الأربعة أشهر المقررة من تاريخ بدئه، أو إعطاء الحق لمجلس النواب في اتخاذ ما يراه مناسبًا. وكذلك فيما لم تتضمنه المادة من النص على عبارة “من تاريخ بدئه” عَقِبَ عبارة “وللمجلس أن يمدَّ هذه المهلة لمدة أو لمدد أخرى لا تتجاوز جميعها أربعة أشهر”.

ونُظر الطلب على الوجه المُبيّن بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيه بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.

وحيث إنّ الوقائع – على ما يتبين من صحيفة الطلب وسائر الأوراق – تتحصل في أنه بتاريخ الثالث عشر من يناير سنة 2020م، أصدر مجلس الوزراء قراره رقم (01 – 2540) بالموافقة على اتخاذ إجراءات الطعن بعدم دستورية نص المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب، أمام المحكمة الدستورية، فأودع رئيس مجلس الوزراء صحيفة الطلب المعروض، إعمالًا لنص البند (أ) من المادة (18) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002، بإنشاء المحكمة الدستورية.

وحيث إنّ من المقرر أن تقرير المحكمة اختصاصها ولائيًا بنظر الدعوى يسبق الخوض في شروط قبولها أو موضوعها، وكان الطلب الماثل يمكن أن تثور بشأنه نظرية أعمال السيادة، مما قد يؤدي إلى القضاء بعدم اختصاص هذه المحكمة ولائيًا بنظر هذا الطلب، لانطوائه على تنظيم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وحيث إنّ المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه وإن كانت الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح تجد أساسها – كأصل عام – في مبدأ الشرعية وسيادة القانون الذي أرساه الدستور، غير أنه يُردُّ على هذا الأصل قيد يقضي باستبعاد ما اصطلح عليه الفقه والقضاء “بالأعمال السياسية” في مجال الرقابة القضائية، وذلك على اعتبار أن خروجها من ولاية القضاء يُعدُّ أحد صور التطبيق الأمثل لإعمال مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات الذي يوجب إقامة توازن دقيق بين السلطات الثلاث، ويتمثل مضمون هذا المبدأ بما نصت عليه المادة (32/أ) من الدستور على أن “يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها وفقًا لأحكام هذا الدستور، ولا يجوز لأي من السلطات الثلاث التنازل لغيرها عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليها في هذا الدستور. ومؤدى ذلك أن تلتزم كلّ سلطة حدود اختصاصها، وألا تعتدي أو تتعدى على اختصاصات غيرها، أو تتخلى هي عن اختصاصاتها لسلطة أخرى، إلا في حدود التفويض التشريعي المحدد بفترة مُعيّنة وبموضوع أو موضوعات بالذات، ويمارس وفقًا لقانون التفويض وشروطه.

لما كان ذلك، وكانت الأعمال السياسية، التي جرت النظم القانونية والقضائية المختلفة على استبعادها من ولاية القضاء بوجه عام، قد وجدت لها صدى في القضاء الدستوري في الدول التي أخذت بنظام الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، إذ جرى هذا النوع من القضاء في هذه الدول على استبعاد “الأعمال السياسية” من اختصاصه ومن مجال الرقابة القضائية، إعمالًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وذلك لدخول هذه الأعمال في نطاق السلطة التقديرية للسلطة التي تصدرها في حدود اختصاصها الذي أفرده لها الدستور، وطبقًا لضوابط الفصل بين السلطات المقررة فيه، فليس للمحكمة الدستورية أن تُقحمَ نفسها في رقابة الأعمال السياسية التي عهد بها إلى إحدى السلطتين، أو تتدخل في التعقيب على سلطتهما التقديرية فيما تتخذانه من قرارات وأعمال في هذا الصدد، متى التزمتا حدود اختصاصهما، ولم تتعديا على قيود الدستور وضوابطه.

وحيث إنّ الأعمال السياسية وصفٌ لم يحدده الدستور أو القانون بحدٍ، فقد دلَّ ذلك على رغبتهما في ترك مهمة تحديده للقضاء وحده، فهو الذي يعطيه وصفه الحق وتكييفه القانوني الصحيح، وذلك على ضوء طبيعة الأعمال وحقيقتها، دون اعتداد بالأوصاف التي قد يخلعها المُشرّع عليها، متى كانت طبيعتها تتنافى مع هذه الأوصاف.

وحيث إنّ العبرة في تكييف الأعمال السياسية يقوم على معيار موضوعي يتمثل في طبيعة الأعمال ذاتها التي تتصل اتصالًا وثيقًا بالسياسة العليا للدولة، بما لها من سلطة عليا وسيادة في الداخل والخارج، مستهدفة مصلحة الجماعة السياسية العليا، وتنظيم علاقاتها الخارجية بالدول الأخرى، وتأمين سلامتها في الداخل والخارج، والدفاع عن إقليمها من الاعتداء الخارجي، ويدخل ذلك كله في اختصاص السلطة التنفيذية أو التشريعية، مما يقتضي منح هاتين السلطتين سلطة تقديرية أوسع نطاقًا وأبعد مدى، تحقيقًا لصالح الوطن وسلامته، دون تخويل القضاء سلطة التعقيب على ما تتخذانه من قرارات أو أعمال في هذا الصدد متى التزمتا حدود الدستور وأحكامه وضوابطه وقيوده. والمرد في تحديد ذلك إلى السلطة التقديرية للقضاء، فتكون المحكمة الدستورية هي التي تحدد – بالنظر إلى طبيعة المسائل التي تنظمها النصوص التشريعية المطروحة عليها للفصل في دستوريتها – ما إذا كانت هذه النصوص تعتبر من الأعمال السياسية فتخرج عن ولايتها بالرقابة الدستورية، أم أنها ليست كذلك فتنبسط عليها رقابتها.

وحيث إنّه لما كان ما تقدّم، وكان النص المطعون فيه – في الطلب المعروض – قد صدر في شأن انتظمته أحكام الدستور، ويتعلق بالتحقيق في أي أمر من الأمور التي تدخل في اختصاص مجلس النواب، وهو ما عُني الدستور بالنص عليه وتحديد إطاره الزمني، ووضع قيدًا صريحًا له، والذي ينبغي على سلطة التشريع أن تلتزمه؛ وإلا جاء عملها مخالفًا للدستور، ومن ثم لا يكون النص المطعون فيه، وهو نص المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب، قد تناول مسائل سياسية تنأى عن الرقابة الدستورية التي تمارسها المحكمة الدستورية، وتبعًا لذلك؛ تختص بنظره والفصل فيه.

وحيث إنّ المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، تنص على أنه “يجب أن تقدم نتيجة التحقيق خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر من تاريخ بدئه. وإذا تعذر تقديم التقرير إلى المجلس في الميعاد المقرر، وجب إعداد تقرير للمجلس يتضمن العقبات والأسباب التي أدت إلى هذا التأخير، وللمجلس أن يمد هذه المهلة لمدة أو لمدد أخرى لا تتجاوز جميعها أربعة أشهر أو يتخذ ما يراه مناسبًا في هذه الحالة”.

وحيث إنّ نص البند (أ) من المادة (47) من الدستور يجري على أن “يرعى مجلس الوزراء مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الجهاز الحكومي”.

وتنص المادة (69) من الدستور على أن “يحق لمجلس النواب في كل وقت أن يؤلف لجان تحقيق أو يندب عضوًا أو أكثر من أعضائه للتحقيق في أي أمر من الأمور الداخلة في اختصاصات المجلس المبينة في الدستور، على أن تقدم اللجنة أو العضو نتيجة التحقيق خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر من تاريخ بدء التحقيق.

ويجب على الوزراء وجميع موظفي الدولة تقديم الشهادات والوثائق والبيانات التي تطلب منهم”.

وحيث إنّ المادة (18) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002، بإنشاء المحكمة الدستورية تنص على أن: “تُرفع المنازعات الخاصة بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:

أ- بطلب من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الشورى أو رئيس مجلس النواب....”.

وتنص المادة (19) من المرسوم بقانون ذاته على أنه “يجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها، وفقًا لحكم المادة السابقة، بيان النص المطعون بعدم دستوريته والنص الدستوري المُدّعى بمخالفته وأوجه المخالفة”.

وحيث إنّ مفاد نصي المادتين (18) و(19) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002، المشار إليه، أن المُشرّع قد حدد طرق رفع المنازعات الخاصة بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، ومن بينها الطلب المقدّم من رئيس مجلس الوزراء للقضاء بعدم دستورية النص المطعون فيه، في (الطلب المعروض) وكان هذا الطلب قد بيَّن هذا النص، كما بيَّن النصوص الدستورية المُدّعى بمخالفتها، وأوجه هذه المخالفة، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ولايتها لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالًا مطابقًا للأوضاع الإجرائية المنصوص عليها في قانونها، سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى أو بميعاد رفعها، لتعلقها بالنظام العام، باعتبارها شكلًا جوهريًا في التقاضي تغياه المُشرّع لمصلحة عامة حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها وفي الموعد الذي حدده، ومن ثم تكون الدعوى الدستورية الراهنة (الطلب المعروض) مقامة طبقًا لهذه الإجراءات المنصوص عليها في المادتين (18) و(19) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002، بإنشاء المحكمة الدستورية، وتبعًا لذلك، تكون هذه الدعوى مستوفية أوضاعها الشكلية المقررة لاتصالها بهذه المحكمة.

وحيث إنّ الدعوى المعروضة أُقيمت بطلب من رئيس مجلس الوزراء، مستهدفًا القضاء بعدم دستورية نص المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب، وأسس دعواه على أن هذا النص المطعون فيه قد منح مجلس النواب سلطة تجاوز أحكام الدستور، وتتمثل هذه السلطة في إمكانه مدّ المُدة المقررة لتقديم نتيجة التحقيق البرلماني بعد انتهاء مدة الأربعة أشهر المقررة من تاريخ بدئه، وذلك لمدة أو لمدد أخرى لا تجاوز جميعها أربعة أشهر، أو اتخاذ ما يراه مناسبًا، مخالفًا بذلك نص المادة (69) من الدستور، وكانت هذه المخالفة الدستورية المُدّعى بها تنحصر في الشطر الثاني من النص المطعون فيه، وهو نص المادة (163) المُبيَّن آنفًا، الذي ينص على أنه: “وإذا تعذّر تقديم التقرير إلى المجلس في الميعاد المقرر، وجب إعداد تقرير للمجلس يتضمن العقبات والأسباب التي أدت إلى هذا التأخير، وللمجلس أن يمدّ هذه المهلة لمدة أو لمدد أخرى لا تتجاوز جميعها أربعة أشهر أو يتخذ ما يراه مناسبًا في هذه الحالة”. ومن ثم يتحدد نطاق الدعوى الدستورية المعروضة في هذا الشق وحده، ويكون الفصل فيه محققًا ما يتغياه المُدّعي في دعواه الدستورية المعروضة.

وحيث إنّ المقرر في قضاء هذه المحكمة أن مبدأ سمو الدستور يجد أساسه في أن القواعد القانونية، التي يتضمنها النظام القانوني القائم في أي دولة، تتدرج وفقًا للسلطة المنشئة لكل منها، ويأتي الدستور على قمة هذه القواعد القانونية، باعتبار أنه نتاج الإرادة الشعبية التي تسمو على سائر سلطات الدولة، مما مؤداه أن أي أداة تشريعية أدنى – سواء كانت في صورة قانون أو لائحة – لا يجوز أن تخالف الدستور، ويُعدّ مبدأ سمو الدستور أساس الرقابة على دستورية التشريع، أيًا كانت صورة هذه الرقابة، ابتغاء صيانة وحماية الدستور. ذلك أن الدستور هو القانون الأساس الأعلى، الذي يُرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميّز الدستور بطبيعة خاصة تضفي عليه السيادة والسمو، بحسبانه كفيل الحريات وموئلها، وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده بالتالي أن تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة، التي يتعيّن على الدولة التزامها في تشريعها، وفي قضائها، وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، من دون أي تفرقة أو تمييز – في مجال الالتزام بها – بين السلطات العامة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ذلك أن هذه السلطات كلها أنشأها الدستور، تستمد منه وجودها وكيانها، وهو المرجع في تحديد وظائفها، ومن ثم تعتبر جميعها أمام الدستور على درجة سواء، وتقف كلٌّ منها مع الأخرى على قَدَمِ المساواة، قائمة بوظيفتها الدستورية، متعاونة فيما بينها في الحدود المقررة لذلك، خاضعة لأحكام الدستور الذي له وحده الكلمة العليا، وعند أحكامه تنزل السلطات العامة جميعًا، والدولة في ذلك إنما تلتزم أصلًا من أصول الحكم الديمقراطي، هو الخضوع لمبدأ سيادة الدستور. وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلًا مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطي سليم؛ فإنه يكون لازمًا على كل سلطة عامة، أيًا كان شأنها وأيًا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، النزول على قواعد الدستور ومبادئه والتزام حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيبُ مخالفة الدستور، وخضع – متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة – للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية، بوصفها الهيئة القضائية العليا التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.

وحيث إنّ الأصل في النصوص الدستورية أنها تؤخذ باعتبارها متكاملة، وأن المعاني التي تتولد عنها يتعيّن أن تكون مترابطة فيما بينها بما يرد عنها التنافر أو التعارض، هذا بالإضافة إلى أن هذه النصوص إنما تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجًا متآلفًا متماسكًا، بما مؤداه أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالًا لا يعزلها عن بعضها البعض، وإنما يقيم منها في مجموعها ذلك البنيان الذي يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم مصالحها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يجوز بالتالي أن تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها، ولا أن يُنظر إليها بوصفها هائمة في الفراغ، أو باعتبارها قيمًا مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعي، وإنما يتعيّن دومًا أن تحمل مقاصدها بمراعاة أن الدستور وثيقة تقدمية لا ترتد مفاهيمها إلى حقبة ماضية، وإنما تمثل القواعد التي يقوم عليها التي صاغتها الإرادة الشعبية، انطلاقًا إلى تغيير لا يصد عن التطور آفاقه الرحبة.

وحيث إنّ الأصل في سلطة المُشرّع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيّدها الدستور بضوابط محددة تعتبر تخومًا لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، ويتمثل جوهر هذه السلطة في المفاضلة التي يجريها المُشرّع بين البدائل المختلفة التي تتزاحم فيما بينها على تنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها غير الحلول التي يقدر مناسبتها أكثر من غيرها لتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وكلما كان التنظيم التشريعي مرتبطًا منطقيًا بهذه الأغراض – وبافتراض مشروعيتها – كان هذا التنظيم موافقًا للدستور بشرط تقيده بالضوابط التي حددها الدستور، مما مؤداه أن اختصاص السلطة التشريعية بسن القوانين لا يخولها التدخل في أعمال أسندها الدستور لسائر السلطات وقصرها عليها؛ وإلا كان ذلك افتئاتًا على عملها، وإخلالًا بمبدأ الفصل بين السلطات، الذي حرص الدستور على توكيده، بوصفه الحاكم للعلاقة المتوازنة بين السلطات العامة في الدولة، ومن بينها السلطتان التشريعية والتنفيذية.

وحيث إنّ الدستور قد أورد في ختام مقدمته أنه: “وقد تضمن هذا الدستور الذي أصدرناه، التعديلات التي أُجريت وفقًا لما جاء في الميثاق متكاملة مع كافة نصوصه غير المعدلة، وأرفقنا به مذكرة تفسيرية يُعتبر ما ورد فيها مرجعًا لتفسير أحكامه”، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن “التفاسير التي تضمنتها المذكرة التفسيرية لنصوص الدستور تعتبر متممة لهذه النصوص، وملزمة لكل الهيئات في الدولة إلزام النص الدستوري نفسه، وفي هذا الصدد ورد بالمذكرة التفسيرية للدستور، تفسيرًا للتعديل الذي أُدخل على المادة (69) من الدستور، بشأن الحد الأقصى للمدة المقررة لتقديم نتيجة التحقيق البرلماني، وجاء في هذا التفسير: “أضافت هذه المادة نصًا يلزم لجان التحقيق البرلمانية، أو العضو المنتدب للتحقيق، بتقديم نتيجة التحقيق خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر من تاريخ بدئه، والهدف من هذه الإضافة أن تستقر الأمور بصورة سريعة حتى لا يؤدي عدم البتِّ فيها خلال فترة معقولة إلى التساؤلات والخلافات”، ومفاد ذلك؛ استحداث الدستور الحد الأقصى لمدة تقديم نتيجة التحقيق البرلماني، حيث قيَّد هذا الحد بأربعة أشهر من تاريخ بدء التحقيق، ودون أن يسمح بتجاوز هذا الحد لأي سبب.

وحيث إنّ الدستور - كما سلف بيانه - قد أكَّد، بنص البند (أ) من المادة (32) منه، قيام نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها، ومنع أي منها من التنازل لغيرها عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليها في الدستور، وأناط الدستور، بنص البند (أ) من المادة (47) منه، بمجلس الوزراء رعاية مصالح الدولة، ورسم السياسة العامة للحكومة، ومتابعة تنفيذها، والإشراف على سير العمل في الجهاز الحكومي، مما يتبين منه حرص المُشرّع الدستوري على ضمان الفصل المرن بين السلطات، وذلك برقابة كلّ منها لغيرها، دون أن يحول ذلك بين أي منها والأخرى في تعاونها من أجل تحقيق المصلحة العامة من جهة، ومصالح المواطنين من جهة أخرى، وهو ما يقتضي ضمان حسن سير المرافق العامة، واستمرار دوران دولاب العمل الحكومي اليومي الذي تباشره وتضطلع بمسؤولياته السلطة التنفيذية المنوطة بمجلس الوزراء، مما يتعيّن معه أن تكون الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة رقابة متوازنة، تتمثل في رقابة مجلس النواب لأعمال السلطة التنفيذية، وفي الوقت ذاته التعاون بينهما، وعدم إعاقة نشاط الحكومة أو وضع العقبات التي تحول بينها وبين تركيز اهتمامها بتقديم الخدمات للمواطنين، وهو ما حدا بالمُشرّع الدستوري أن يقرر بنص المادة (69) من الدستور، حدًا أقصى للمدة المقررة لتقديم نتيجة التحقيق البرلماني، قدَّرها بألا تتجاوز أربعة أشهر من تاريخ بدء هذا التحقيق؛ رغبةً منه – وعلى ما أوضحت المذكرة التفسيرية للدستور – أن تستقر الأمور بصورة سريعة حتى لا يؤدي عدم البتّ فيها خلال فترة معقولة إلى التساؤلات والخلافات؛ مما يعوق سير العمل الحكومي المعتاد ويؤثر في كفاءته سلبًا، بما يلقيه من أعباء متابعة التحقيق البرلماني لمدة غير معلومة أو محددة سلفًا، على النحو الذي يثقل كاهل مجلس الوزراء والإدارات المعنية في مختلف الوزارات والأجهزة التابعة أو المعاونة لها.

وحيث إنّه متى كان ما تقدم، وكان الدستور وإن أوكل إلى مجلس النواب، بمقتضى نص المادة (69) منه، أن يؤلف لجان تحقيق أو يندب عضوًا أو أكثر من أعضائه للتحقيق في أي أمر من الأمور الداخلة في اختصاصاته (مجلس النواب) المُبيّنة في الدستور، إلا أن ممارسة المجلس لسلطته التقديرية في هذا المجال يحدها القيد الزمني الذي وضعه النص الدستوري، الذي بمقتضاه يجب تقديم اللجنة أو العضو نتيجة التحقيق خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر من تاريخ بدء التحقيق، وكان هذا القيد الزمني يتكامل، في الهدف من تقريره، مع مقتضى نص البند (أ) من المادة (47) من الدستور، من اضطلاع مجلس الوزراء برعاية مصالح الدولة، ورسم السياسة العامة للحكومة، ومتابعة تنفيذها، والإشراف على سير العمل في الجهاز الحكومي، وما يقتضيه ذلك كله من الانشغال المستمر بتقديم الخدمات اليومية للمواطنين، الأمر الذي حدا بالمشرع الدستوري إلى تقرير القيد آنف البيان، مما يتفق مع مبدأ الفصل المرن بين السلطات المنصوص عليه في البند (أ) من المادة (32) من الدستور، بما لازمه وجوب التزام التنظيم القانوني الذي يقره المشرع بالمبادئ الضابطة لسلطته في هذا الشأن، التي يُعد تحقيقها إعمالًا للمبادئ التي حواها الدستور، بَيْدَ أنّ النص المطعون فيه – وهو نص الشطر الثاني من المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب – المحدد نطاقًا على النحو سالف البيان – قد تصادم مع تلك المبادئ الدستورية، بتجاوزه المدة الزمنية المحددة بنص المادة (69) من الدستور، وخروجه عن نطاق السلطة التقديرية المقررة له بموجب هذا النص، بما يوقعه في حومة مخالفة أحكام الدستور المنصوص عليها في المواد (32) و(47/أ) و(69) منه، مما يتعيّن معه القضاء بعدم دستوريته في حدود النطاق المتقدم.

وحيث إنّ المادة (106) من الدستور تنص على أن “تنشأ محكمة دستورية.... وتختص بمراقبة دستورية القوانين واللوائح.... ويكون للحكم الصادر بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة أثر مباشر، ما لم تحدد المحكمة لذلك تاريخًا لاحقًا، فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقًا بنص جنائي تُعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادًا إلى ذلك النص كأن لم تكن....”.

وحيث إنّ المادة (31) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002، بإنشاء المحكمة الدستورية تنص على أن: “أحكام المحكمة وقراراتها الصادرة في المسائل الدستورية تكون ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة، وتُنشر في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يومًا على الأكثر من تاريخ صدورها.

ويكون للحكم الصادر بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، في جميع الأحوال، أثر مباشر، ويمتنع تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته من اليوم التالي لنشر الحكم، ما لم تحدد المحكمة تاريخًا لاحقًا لذلك....”.

ومفاد نص المادة (106) من الدستور ومذكرته التفسيرية والمادة (31) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002، بإنشاء المحكمة الدستورية – وفقًا لما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الحكم الصادر عنها بعدم دستورية قانون أو لائحة، يُعد – كقاعدة عامة – منشئًا لحالة عدم الدستورية، وليس كاشفًا عنها، ومؤدى ذلك أن هذا الحكم يسري بأثر مباشر وفوري من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية، إلا إذا كان الحكم متعلقًا بنص جنائي.

متى كان ما تقدم، وكانت هذه المحكمة قد انتهت في الدعوى الراهنة إلى عدم دستورية النص المطعون فيه – في حدود النطاق المشار إليه – فإن الأثر المباشر لهذا الحكم يتمثل في أنه اعتبارًا من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية؛ تسقط التحقيقات التي لم تقدم نتيجتها خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر من تاريخ بدئها.

وحيث إنّ المذكرة التفسيرية وضعت قيدًا آخر على الأثر المباشر للحكم بعدم الدستورية، إذ قررت أن هذا الأثر لا يؤثر في حق المُدّعي في الاستفادة من الحكم الصادر بعدم الدستورية، لأن الترضية القضائية هي الغاية النهائية لكل خصومة قضائية، ومن ثم يستفيد المُدّعي – مجلس الوزراء - تلقائيًا من ذلك الحكم بأثر رجعي يرتد إلى تاريخ سريان النص المقضي بعدم دستوريته - وهو ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – تطبيقًا لما أوردته المذكرة التفسيرية للدستور في هذا الشأن، وتتم هذه الاستفادة بقوة القانون من دون حاجة إلى النص عليها في منطوق الحكم.

وحيث إنّه عن المصروفات فإن المحكمة تلزم بها مقدّم الطلب، عملًا بنص المادتين (192/1) و (197) من قانون المرافعات المدنية والتجارية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الشطر الثاني من المادة (163) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002، بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب، الذي ينص على أنه: “وإذا تعذر تقديم التقرير إلى المجلس في الميعاد المقرر، وجب إعداد تقرير للمجلس يتضمن العقبات والأسباب التي أدت إلى هذا التأخير، وللمجلس أن يمدَّ هذه المهلة لمدة أو لمدد أخرى لا تتجاوز جميعها أربعة أشهر أو يتخذ ما يراه مناسبًا في هذه الحالة”. وألزمت مُقدّمَ الطلبِ بالمصروفاتِ.

عضو المحكمة

عضو المحكمة

عضو المحكمة

عضو المحكمة

عضو المحكمة

نائب الرئيس

رئيس المحكمة

 

مشاركة هذه الصفحة